الشيخ السبحاني

114

سبع مسائل فقهية

والاجماع القديم ، ولم يأت بعده اجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة ، وحرمت عليه ، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة ، يراد للدوام لا نكاح تحليل ، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرِّم ، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه ، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصدّيق ، وصدراً من خلافته كان الأليق بهم ، لأنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللَّه في الطلاق ، وقد جعل اللَّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً ، فلمّا تركوا تقوى اللَّه وتلاعبوا بكتاب اللَّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللَّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللَّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة ، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة « 1 » . يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح ، إذ لو كانت المصالح المؤقتة مبرّرة لتغيّر الحكم فما معنى « حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة » ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّر إلى أركان الشريعة ، فيصبح الإسلام ألعوبة بيد الساسة ، فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على العمال لتقوية القوّة العاملة في المعامل . وفي الختام فقد تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور لما في تنفيذ هذا النوع من الطلاق ، ولأجل ذلك تغيّر قانون محاكم مصر الشرعيّة ، وخالفت مذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية .

--> ( 1 ) ابن قيم ، اعلام الموقعين 3 : 36 .